إسماعيل بن خليل الرصاصي Ismail Khalil Al Rasasi

الرصاصي من عقبة رصاص في باب العامود إلى عقبة مطيرح

حمود بن سالم السيابي

بعض الرجال يغادروننا لتبقى الهيبة.
ويرحلون ويبقى التاريخ.


والسيد إسماعيل الرصاصي الأستاذ ورجل الجمارك والناظر ورئيس المحكمة والوالي ومفتش الولاة والسفير أحد هؤلاء الذين رحلوا ولم يرحلوا.
في أواخر ستينيات القرن الماضي جاء إلى المدرسة السعيدية بمطرح ليكرم أوائل الصفوف وكنتُ بالصدفة بينهم.


يومها وقفتُ أمامه لأستلم جائزة الترتيب الثالث على صفي وكانت عبارة عن قلم “باركر” جاف أزرق اللون قيمته ثلاث رُبيَّات ونصف الرُّبيَّة.
وفي طريق العودة إلى البيت كنتُ “أفَنْفِنْ” الكرتون لأستخرج القلم.


وبين مترٍ ومتر من المشوار كنت ألقي نظرة اطمئنان على وجوده ، فهو بمثابة الوسام من الدرجة الأولى.
وكلما أخرجته من الكرتون ضغطت على رأس القلم لأختبر كفاءته.


ومررته على باطن اليد لأكتب به اسمي ولأتحسس سيلان حبره القادم من تحت التاج.
ومع بدء العام الدراسي الجديد كان القلم الباركر على منحر دشداشتي ليراه العَلَم والطلبة ، فالأوسمة زهو المناسبات.
وما زلتُ أتذكر الوالي الرصاصي ذات نهار مشيته خلف والدي إلى بيت البرزة فاختزنتُ أدوات مكتبه في ذاكرتي من الأقلام إلى الأختام ، ومن “الدباسة” إلى “النشافة” وانتهاء بالكرة الأرضية الزرقاء وخارطة الحائط.


ودخلتُ مكتب والي مطرح في أزمنة تالية وعلى الكرسي الدَّوار للوالي كان سيدي البدر بن سالم ثم الخال سعود بن خلف الخروصي.
ولعل البعض ممن قرأوا كتيبي “بروة” استشعروا تحاملي على والي مطرح فيما رأي البعض أن تلك إملاءات الأدوار ولضرورات المشاهد لتتكامل ، فالحكايات تتطلب بعض المماحكة وبعض العصيان وبعض العناد بين والي مطرح وشخوص الحكاية المطرحية.
واستشعر الآخرون أن “بروة” كانت منصفة ، ويكفي حب العسكري خصيب لواليه ، فقد تمنطق محزمه وتنكب تفقه ووقف ينتظر الوالي ليشكو مطرح الموجوعة إليه.


ورغم تعدد القراءات فإن التحامل على الوالي لن يقلل من علوّ جبل العريانة.
وإنصاف الوالي لن يغير من سرعة دوران مروحة مستشفى طومس.


ولكم كان العزيز إياد الرصاصي نجل الوالي إسماعيل الرصاصي كريما وهو يقرأ “بروة” بعين المحب وبالرؤية المحايده ، معتبرا إن الشخصية المحورية لبروة هي الوالي وليس والده.


وأن أي رجل يتقلد هذا المنصب الرفيع له وعليه.
ولقد تفضل السيد إياد الرصاصي وأهداني نسخة من كتابه الثاني “الوالي إسماعيل” الذي تلألأ غلافه باسم أستاذنا الباحث الكبير الدكتور محمد العريمي.


وقد جاء كتابه الجديد كتكملة لكتابه الأول ، وكمدخل لمطرح ومسقط قبل عام ١٩٧٠.


ولن أتجاوز إذا قلت وأنا أتصفح كتاب “الوالي إسماعيل” أن مطرح تكاد تكون قد توقفت مع مرحلة الوالي الرصاصي ، فكل الحلم بتطويرها تبدد ، وكل المشاريع الموعودة تترحل من خطة لخطة.


ولم تشهد مطرح طوال نصف قرن ما يستحق أن تباهي به شقيقاتها المدن العمانية سوى الشارع البحري ، رغم أنها كانت جوهرة المدن وبندرها.
بل الأدهي والأمر أنها خسرت موقعها كعاصمة تجارية لعمان وانتُزِعَ الكثير من مكتسباتها التارخية كالميناء الذي نقل منها.
وبيت البرزة الذي لم يعد بيتا للبرزة.


وخور بمبه الذي هزمته المولات.
وبيت الفلج الذي لم يعد حامية البلدة.
وابتعدت الطائرات عن مطارها “بيت الفلج”.
وخسرت البلدة روحها كما تمثلها الدروازة.


واختزل مستشفاها الكبير على مستوى الخليج والمعروف بمستشفى طومس إلى مجرد مركز صحي.
وانهارت مروحة المستشفى واختفت عن الأفق المطرحي إلى الأبد.
ولم نعد نشم في مطرح رائحة هوتيلات الجواذري وداوود وآدم.
وانكفأت قدور القهوة والشاي في المقاهي المطرحية.
ورغم أن بعض الخسائر مبررة لحاجة المشاريع الكبرى لمساحات لا تتوفر بمطرح ، إلا أن بعض استحقاقات البلدة التي خسرتها ما زالت محل استفهام.
وأتصفح كتاب “الوالي إسماعيل” فأشم في صفحاته الزمن السعيدي بهيبته وراياته ورجاله.


وكان السيد إسماعيل الرصاصي في المشاهد الباذخة لصور الكتاب كظل جميل للسلطان سعيد بن تيمور ورفيق لأسفاره إلى العديد من عواصم العالم فهو بين الصف الأول من الرجال الذين يديرون سلطنة مسقط وعمان.
ومن الغلاف إلى الغلاف كانت هناك حكاية نبيلة يسردها الإبن البار إياد الرصاصي عن أبيه منذ تشكُّل ملامحه في “عقبة رصاص” بباب العامود بفلسطين وإلى مجاورته لعقبة مطيرح ، ولحضوره تفتيت عقبة ريام لتعبرها السيارات ذات الدفع الرباعي والسيارات الصغيرة بين مسقط وبيت الفلج عبر مطرح.


وإنتهاء بالرحيل تحت “شريشة” خضراء في مقبرة جبروه.


ولقد كانت للمسات أستاذنا الكبير الباحث الدكتور محمد العريمي الفضل في أن تتكامل المشاهد.
لقد أعادني الكتاب لأجواء مطرح ببحرها وملحها وصخبها وأهلها الطيبين.
وأنكأ في الوقت نفسه جروحا مفتوحة في “بروة” وما تزال.


——————————
مسقط في ٢٧ فبراير ٢٠٢٢م.+49